راى الشيخ كمال جعيط مفتى جمهورية تونس

 

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

يقول الله تعالى:ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا كرمهم الله بما جعل لهم من الاستعدادات وأودعها في فطرتهم وبما مكنهم من التبديل والتغيير والتركيب والتحليل أي بما بلغوا الكمال المقدر للحياة.

وقد أخذ العلم في التقدم وخصوصا علم الطب والجراحة. فقد بلغ شوطا بعيدا حتى تمكن من زرع الأعضاء من الحي للحي ومن الأموات للأحياء. ولاشك إن هذا التقدم العلمي هو أعظم نعم الله على الانسان ولذا نهانا الله عن اليأس فقال: ولا تيأسوا من روح الله أنه لاييأس من روح الله إلا القوم الكافرون كما نهانا سبحانه عن قتل النفس والاعتداء عليها فقال تعالى:ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة . وعقب ذلك بالأمر بالإحسان فقال وأحسنوا إن الله يحب المحسنين والاحسان هو فعل النافع الملائم وهو مطلوب في كل شيء , يشهد لذلك ما جاء فـي الحديث الصحيـح: ( إن لله كتب الإحسان في كل شيء ) , ومن الإحسان إحياء النفس حتى قال الله في كتابه الكريم: من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً .

فمن أوصى ببعض أجزاء من بدنه لبعض إخوانه من الإنسانية ممن هم مفتقرون إليه. كان ذلك رحمة. يقول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم : (إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء). نعم شرط ذلك أن يكون من أهل التبرع , أي يكون عاقلا بالغا مدركا. ويجب على المجتمع تنفيذ وصيته , وجعل جثته تحت آله الانعاش حتى تبقى أعضاء جسده صالحة يمكن الإنتفاع بها لمن هو محتاج إليها ويعتبر إذنه هذا في الإنتفاع بأجزاء جثته من كرمه وكمال إنسانيته. وربما مجرى الصدقات الجارية. كيف لا وقد كان هذا إصلاح نفوس.

ونود هنا بتوفيق الله تعالى بعض أحكام نقل الأعضاء:

إن المقصود بالعضو أي جزء من الإنسان من أعضاء (كلية , قلب , كبد …) ونحو ذلك من أنسجة (كقرنية العين ونخاع عظمي أو عظم إسفنجي) ومعنى الانتفاع الذي هو محل البحث هو استفادة دعت ضرورة أو حاجة المستفيد لاستبقاء أصل الحياة أو للمحافظة على وظيفة أساسية من وظائف الجسم كالبصر ونحوه على أن يكون المستفيد يتمتع بحياة محترمة شرعا. تنقسم صور الانتفاع هذه الى أقسام ثلاثة:
أولا: نقل العضو من الحي.

ثانيا: نقله من الميت.
ثالثا: نقل الأعضاء التناسلية.

نقل العضو من الحي:

الصورة الأولى نقل العضو من الإنسان نفسه إلى مكان آخر من جسده كنقل الجلد والغضاريف والعظام والأوردة ونحوها . وحكم هذا النقل الجوار باتفاق مع التأكد من أن النفع المتوقع من هذه العملية أرجح من الضرر المترتب عليها.
الصورة الثانية نقل العضو من جسم إنسان إلى جسم إنسان آخر . وهنا ينظر إلى هذا العضو هل هو مما تتوقف عليه الحياة أولا تتوقف عليه. ثم إن كان مما تتوقف عليه الحياة فقد يكون فرديا أي غير متعدد كالكبد والقلب . وقد يكون معتددا كالكلية والرئتين. ثم ماتتوفق عليه الحياة منه يتجدد إذا استؤصل جزءا منه ومنه ما لا يتجدد إذا استؤصل.

إن كان النسيج يتجدد تلقائيا كالنخاع العظمي فذلك جائز مع مراعاة كون ذلك جار على

• تحقق المصلحة الشرعية المعتبرة.

• يجوز نقل عضو أو نسيج استؤصل من الجسم لعلة مرضية لشخص آخر كأخذ عظم اسفنجي لإنسان ما عند استئصال العظمة لعلة مرضية.
• إن كان العضو الذي استؤصل جزءا منه يتجدد تلقائيا كالكبد فذلك إذا جائز إذا كان هذا الاستئصال للجزء من الكبد لا يؤثر على صحة المتبرع.

• إن كان العضو زوجيا كالكلى. يجوز التبرع بأحدهما شريطة التحقق من أن هذا التبرع لايؤثر على الحالة الصحية والنفسية للمتبرع.

يحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان حي إلى آخر فإن مات فيجوز ذلك.
وفي كل هذه الحالات الخمس يجب أن يكون المتبرع كامل الأهلية. ولايجوز أن يكون التبرع مقابل أي ثمن عن طريق البيع لذلك العضو أو النسيج. وذلك لأن الإنسان لا يملك نفسه إنما هو ملك الله ولا يجوز إخضاع أحد للبيع بحال من الأحوال.

نقل عضو من الميت :

يجوز نقل عضو من ميت إلى حي تتوقف حياته على ذلك العضو أو تتوقف سلامة وظيفة أساسية فيه على ذلك بشرط أن يأذن الميت قبل موته أو ورثته بعد موته أو بشرط موافقة ولي الأمر إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا ورثة له.

نقل الأعضاء التناسلية :

أم نقل وزراعة الغدد التناسلية فبما أن الخصة والمبيض يستمران في حمل وإفراز الصفات الوراثية (الشفرة الوراثية) للمنقول منه بقصد زراعتها في متلق جديد فإن زرعها هذا محرم شرعاً. أما التي لاتنقل الصفات الوراثية ما عدى العورات المغلظة فجائز لضرورة مشروعة وفق الضوابط والمعابير الشرعية.

ونلاحظ أخيرا أنه إذا كتب الشخص وثيقة للتبرع بعضو من أعضائه بعد وفاته فتطبق على ذلك أحكام الوصية ولا يجوز للورثة أو لغيرهم تبديل الوصية.
وبما أوضحنا نحث الناس على التبرع بالأعضاء وخاصة بعد الوفاة. وأنه لمن أعظم القرب إلى الله. إذ هي رحمة للإنسانية. ومن رحم الناس رحمه الله.

الجمعة 18 أوت 2006
الموافق 24 رجب 1427

والله اعلم واحكم