فضيلة الشيخ أ.د يوسف القرضاوي بحث حول زراعة الأعضاء

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد …

مما لاشك فيه أنه لا يوجد دين كالإسلام اهتم بصحة الإنسان وجسم الإنسان ، والأديان الأخرى لم تعر هذا الأمر اهتماما كبيرا ، وهناك ديانات حاربت الجسد الإنساني مثل : المالوية الفارسية والبراهمية الهندية والبوذية الصينية والرهبانية المسيحية ، كل هذه حاربت الجسد ، ولكن الإسلام هو الدين الوحيد الذي جاء ليقول للناس (( إن لبدنك عليك حقا )) ، وهو يعتبر الجسد أمانة عند الإنسان ويجب عليه أن يرعى هذا الجسد وأن يحافظ عليه ، ولا يجوز أن يضره أو يؤذيه (( لاضرر ولا ضرار )) (( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )) البقرة : 195 (( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما )) النساء: 29 حتى إن الإسلام شرع الرخص والتخفيفات إذا كان في أداء العبادات على وجهها الأصلي إضرار بالإنسان ، أو حرج له .

وحينما أفتى بعض الصحابة لرجل كانت به جراحة وأصابته جنابة . فأفتوه بأن يغتسل فتفاقم الجرح فمات . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( قتلوه قتلهم الله )) أي قتلوه بهذه الفتوى الجائرة (( هلا سألوا إذ لم يعلموا ! فإنما شفاء العي السؤال )) .

من أجل هذا أقول : أنه يجب على الإنسان أن يحافظ على جسده وقد شاعت بين المسلمين هذه الجملة ( صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان ، والله رؤوف رحيم ) فعامة الناس يقولون هذا الكلام ، وقد أخذوه من الأحكام الشرعية .

ومن مظاهر عناية الإسلام بصحة الإنسان وسلامة بدنه : أننا نجد في جميع كتب الحديث أبوابا كاملة عن الصحة والمرض ، فنجد فيها كتاب الطب وكتاب التداوي أو كتاب المرض، كل هذا تجسيد للعناية بهذا الأمر. ومن ذلك حديث : ((ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء )) .

ومعنى هذا أنه لا يوجد مرض يستعصى على الشفاء ، فكل داء له شفاء ودواؤه ، علمه من علمه وجهله من جهله.

وهذا يقوى روح المريض ، وينشئ عنده أملا في الشفاء ، ويجعل كل طبيب يسعى إلى إيجاد الدواء .

وحل النبي صلى الله عليه وسلم مشكلة كبيرة في الكثير من الأديان وهي مشكلة القدر . بمعني أنه إذا كان ربنا قدر علينا المرض فهل نحاد القدر أو نخالفه ؟ وإذا كان قدر علينا الموت فنحن حتما سنموت، فلم السعي إلى العلاج ؟ فقد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا : يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ، ورقى تسترقيها وتقاة نتقيها : هل ترد من قدر الله شيئا ؟ فكان جوابه الحازم قال : (( هي من قدر الله )).

هذا الجواب في غاية الحكمة والروعة ، فكما أن الأمراض من قدر الله ، فإن الأدوية والعلاج أيضا من قدره . ومن أجل هذا شرع لنا الإسلام أن نتداوى بكل أنواع التداوى. وقد كان للمسلمين في الطب باع عظيم ، وكان للأطباء في حضارة الإسلام مكان عظيم، وأطباء المسلمين كانوا أشهر الأطباء في العالم ، والمراجع الطبية عند المسلمين كانت أشهر المراجع العالمية، الحاوي للرازي والقانون لابن سينا ، والتعريف لمن عجز عن التأليف للزهراوي ، والكليات لابن رشد وغيرها.

ولم يكن هناك أي تعارض بين العلم والدين أو بين الطب والدين. بالعكس نجد ابن رشد يؤلف في الفقه ويؤلف في الطب ، ونجد ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية الصغرى ، وهو من كبار فقهاء الشافعية ، ونجد الفخر الرازي وهو مؤلف التفسير الكبير ، والمحصول في علم الأصول ، كانت شهرته في الطب لا تقل عن شهرته في التفسير وعلوم الدين .

ومن أجل ذلك فإن الإسلام يرحب جدا بكل ما يسفر عنه العلم الحديث مما يخفف عن الإنسان معاناته وويلاته . ومن ذلك مسألة ( زرع الأعضاء ) . فمن آفات العصر الحديث أن وجدت أشياء كثيرة تسبب أمراضا لم تكن موجودة في الزمن الماضي .

وكما ذكر الأطباء فإن الفشل الكلوي أصبح منتشرا جدا فماذا نفعل أمام هذه الظاهرة ؟ ونحن إزاء هذا الموضوع ( زرع الأعضاء ) تعرض لنا أسئلة عدة وهي :هل يجوز للمسلم أن يتبرع بعضو أو جزء من بدنه لغيره في حياته لزرعه في بدن شخص آخر ؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فهل هو جواز مقيد بشروط ؟ وما هي تلك الشروط ؟

وإذا جاز التبرع فلمن يتبرع ؟ القريب فقط ، أم للمسلم فحسب، أم لأي إنسان ؟ وإذا جاز التبرع فهل يجوز البيع ؟

وهل يجوز التبرع بعضو بعد الموت ؟ أم يتنافى ذلك مع حرمة الميت ؟ وهل ذلك من حق الإنسان وحده ؟ أو يحق لأهله التبرع بعضو من بدنه ؟ وهل يجوز للدولة أن تأخذ بعض الأعضاء من المصابين في الحوادث مثلا لإنقاذ غيرهم؟ وهل يجوز زرع جزء من غير مسلم في جسد إنسان مسلم ؟ وهل يجوز زرع عضو أو جزء من حيوان – ولو كان محكوما بنجاسته كالخنزير مثلا – في جسم شخص مسلم ؟

تساؤلات جمة أصبحت تفرض نفسها على الفقه الإسلامي ورجاله ومجامعه في الوقت الحاضر . ولا بد من الإجابة  بإطلاق أو المنع بإطلاق ، أو التفصيل . فلنحاول الإجابة وبالله التوفيق .

( هل يجوز للمسلم أن يتبرع بعضو من جسمه وهو حي ؟ )

قد يقال : إن تبرع الإنسان إنما يجوز فيما يملكه ، وهل يملك الإنسان جسمه بحيث يتصرف فيه بالتبرع أو غيره ؟

أو هو وديعة عنده من الله تعالي ، فلا يجوز له التصرف فيه إلا بإذنه ؟ وكما لا يجوزله  أن يتصرف في نفسه – حياته – بالإزهاق والقتل ، فكذلك لا يجوز له أن يتصرف في جزء من بدنه بما يعود عليه بالضرر……ويمكن النظر هنا بأن الجسم وإن كان وديعة من الله تعالى ، فقد مكن الإنسان من الانتفاع به والتصرف فيه كالمال فهو مال الله تعالى حقيقة ،كما أشار إلى ذلك القرآن بمثل قوله تعالى : (( وءاتوهم من مال الله الذي ءاتاكم)) النور33 ، ولكنه ملك الإنسان هذا المال بتمكينه من الاختصاص به والتصرف فيه فكما يجوز للإنسان التبرع بجزء من ماله لمصلحة غيره ممن يحتاج إليه ، فكذلك يجوز له التبرع بجزء من بدنه لمن يحتاج إليه . والفرق بينهما أن الإنسان قد يجوز له التبرع  أو  التصدق بماله كله، ولكن في البدن لا يجوز التبرع ببدنه كله، بل لا يجوز أن يجود المسلم بنفسه لإنقاذ مريض من التهلكة أو ألم مبرح ، أو حياة قاسية ؟ وإذا كان يشرع للمسلم أن يلقي بنفسه في اليم لإنقاذ غريق ، أو يدخل بين ألسنة النار ، لإطفاء حريق أو إنقاذ مشرف على الغرق ، أو الحرق ، فلماذا لا يجوز أن يخاطر المسلم بجزء من كيانه المادي لمصلحة الآخرين ممن يحتاجون إليه ؟ وفي عصرنا رأينا التبرع بالدم، وهو جزء من جسم الإنسان ، يتم في بلاد المسلمين ، دون نكير من أحد العلماء ، بل هم يقرون الحث  عليه أو يشاركون فيه ، فدل هذا الإجماع السكوتي – إلى جوار بعض الفتاوى الصادرة في ذلك – على أنه مقبول شرعا . وفي القواعد الشرعية المقررة : أن الضرر يزال بقدر الإمكان ، ومن أجل هذا شرع إغاثة المضطر ، وإسعاف الجريح ، وإطعام الجائع ، وفك الأسير ، ومداواة المريض ، وإنقاذ كل مشرف على هلاك في النفس أو مادونها .

ولا يجوز لمسلم أن يرى ضررا ينزل بفرد أو جماعة ، يقدر على إزالته ولا يزيله ، أو يسعى في إزالته بحسب وسعه . ومن هنا نقول : إن السعي في إزالة ضرر يعانيه مسلم من فشل الكلية مثلا ، بأن يتبرع له متبرع بإحدى كليتيه السليمتين ، فهذا مشروع ، بل محمود ويؤجر عليه من فعله ، لأنه رحم من في الأرض ، فاستحق رحمة من في السماء. والإسلام لم يقصر الصدقة على المال ، بل جعل كل معروف صدقة . فيدخل فيه التبرع ببعض البدن لنفع الغير ، بل هو لاريب من أعلى أنواع الصدقة وأفضلها ، لأن البدن أفضل من المال ، والمرء يجود بماله كله لإنقاذ جزء من بدنه ، فبذله لله تعالى من أفضل القربات ، وأعظم الصدقات .

وإذ قلنا بجواز التبرع من الحي ، بعضو من بدنه ، فهل هو جواز مطلق أو مقيد ؟ والجواب : أنه جواز مقيد ، فلا يجوز له أن يتبرع بما يعود عليه بالضرر أو على أحد له حق عليه لازم . ولا يجوز له أن يزيل ضرر غيره بضرر نفسه ، فالقاعدة الشرعية التي تقول : الضرر يزال ، تقيدها قاعدة أخرى تقول : الضرر لايزال بالضرر ، وفسروها بأنه لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه. ولهذا لا يجوز التبرع بالأعضاء الظاهرة في الجسم مثل العين واليد والرجل لأنه هنا يزيل ضرر غيره بإضرار مؤكدة لنفسه ، لما وراء ذلك من تعطيل للمنفعة وتشويه للصورة .

ومثل ذلك إذا كان العضو من الأعضاء الباطنة المزدوجة ، ولكن العضو الآخر عاطل أو مريض ، يصبح كعضو وحيد . ومثل ذلك : أن يعود الضرر على أحد له حق لازم عليه ، كحق الزوجة أو الأولاد ، أو الزوج ، أو الغرماء وقد سألتني إحدى الزوجات يوما : إنها أرادت أن تتبرع بإحدى كليتيها لأختها، ولكن زوجها أبى ، فهل من حقه ذلك؟ وكان جوابي : أن للزوج حقا في زوجته ، وهي إذا تبرعت بإحدى كليتيها فستجري لها عملية جراحية ، وتدخل المستشفي ، وتحتاج إلى رعاية خاصة ، وكل ذلك يحرم الزوج من بعض الحقوق ويضيف عليه بعض الأعباء ، فينبغي أن يتم ذلك برضاه وإذنه .

والتبرع إنما يجوز من المكلف البالغ العاقل ، فلا يجوز للصغير أن يتبرع بمثل ذلك ، لأنه لا يعرف تماما مصلحة نفسه ، وكذلك المجنون. ولا يجوز أن يتبرع الولي عنهما ، بأن يدفعهما للتبرع ، وهما غير مدركين ، لأنه لا يجوز له التبرع بما لهما ، فمن باب أولى لا يجوز التبرع بما هو أعلى وأشرف من المال وهو البدن .

( التبرع لغير المسلم )

والتبرع بالبدن كالتصدق بالمال ، يجوز للمسلم وغير المسلم ، ولكنه لا يجوز للحربي الذي يقاتل المسلمين بالسلاح ، ومثله عندي : الذي يقاتلهم في ميدان الفكر والتشويش على الإسلام . وكذلك لا يجوز التبرع لمرتد مارق من الإسلام مجاهر بردته ، لأنه في نظر الإسلام خائن لدينه وأمته يستحق القتل ، فكيف نساعده على الحياة ؟ ولكن إذا وجد مسلم محتاج للتبرع ، ووجد غير مسلم ، فالمسلم أولى ، قال تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) التوبة 71، بل المسلم الصالح المتمسك بدينه أولى بالتبرع له من الفاسق المفرط في جنب الله ، لأن في حياته وصحته عونا له على طاعة الله تعالى ، ونفع خلقه ، بخلاف العاصي الذي يستخدم نعم الله في معاصي الله وإضرار الناس . وإذا كان المسام قريبا أو جارا ، فهو أولى من غيره ، لأن للجوار حقا أكيدا ، وللقرابة حقا أوكد ، كما قال تعالى : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) الأنفال 75.

ويجوز أن يتبرع المسلم لشخص معين ، كما يجوز له أن يتبرع لمؤسسة مثل بنك خاص بذلك ، يحفظ الأعضاء بوسائله الخاصة ، لاستخدامها عند الحاجة .

( بيع الأعضاء لا يجوز )

ونحب أن ننبه هنا على أن القول بجواز التبرع بالأعضاء لا يقتضي القول بجواز بيعها، لأن البيع- كما عرفه الفقهاء مبادلة مال بمال بالتراضي ، وبدن الإنسان ليس بمال ، حتى يدخل دائرة المعاوضة والمساومة  ، وتصبح أعضاء الجسد الإنساني محلا للتجارة أو البيع والشراء ، وهو ما حدث للأسف في بعض الأقطار الفقيرة ، حيث قامت سوق أشبه بسوق النخاسين ، لشراء أعضاء الفقراء والمستضعفين من الناس ، لحساب الأغنياء، ونفقت هذه التجارة الخسيسة التي دخلتها  ( مافيا ) جديدة تنافس ( مافيا ) المخدرات . ولكن لو بذل المنتفع للشخص المتبرع مبلغا من المال غير مشروط ولا مسمى من قبل ، على سبيل الهبة والهدية والمساعدة ، فهو جائز، بل هو محمود ومن مكارم الأخلاق . وهذا نظير إعطاء المقرض عند رد القرض أزيد من قرضه دون اشتراط سابق ، فهو مشروع ومحمود وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث رد أفضل مما أخذ ، وقال: ( إن خياركم أحسنكم قضاء ) .

                      ( هل تجوز الوصية بجزء من البدن بعد الموت؟ )

وإذا جاز للمسلم التبرع بجزء من بدنه مما ينفع غيره ولا يضره ، فهل يجوز له أن يوصي بالتبرع بمثل ذلك بعد الموت ؟

والذي يتضح لي أنه إذا جاز له التبرع بذلك في حياته ، مع احتمال أن يتضرر بذلك – وإن كان احتمالا مرجوحا – فلا مانع أن يوصي بذلك بعد موته ، لأن في ذلك منفعة خالصة للغير ، دون احتمال أي ضرر عليه ، فإن هذه الأعضاء تتحلل بعد أيام ويأكلها التراب، فإذا أوصى ببذلها للغير قربة إلى الله تعالى ، فهو مثاب ومأجور على نيته وعمله ، ولا دليل من الشرع على تحريم ذلك ، والأصل الإباحة إلا ما منع منه دليل صحيح صريح ، ولم يوجد . وقد قال عمر (رض) في بعض القضايا لبعض الصحابة : شئ ينفع أخاك ولا يضرك ، فلماذا تمنعه.

وهذا ما يمكن أن يقال مثله هنا لمن منع ذلك . وقد يقال : إن هذا يتنافى مع حرمة الميت التي يرعاها الشرع الإسلامي ، وقد جاء في الحديث : (( كسر عظم الميت ككسر عظم الحي )) . ونقول : إن أخذ عضو من جسم الميت لا يتنافى مع ما هو مقرر لحرمته شرعا ، فإن حرمة الجسم مصونة غير منتهكة ، والعملية تجرى له كما تجرى للحي بكل عناية واحترام دون مساس بحرمة جسده .

على أن الحديث إنما جاء في كسر العظم ، وهنا لا مساس بالعظم  ، والمقصود منه هو النهي عن التمثيل بالجثة والتشويه لها ، والعبث بها ، كما كان يفعل أهل الجاهلية في الحروب ، ولا زال بعضهم يفعلها إلى اليوم ، وهو ما ينكره  الإسلام ولا يرضاه . ولا يعترض معترض بأن السلف لم يؤثر عنهم فعل شئ من ذلك ، وكل خير في أتباعهم …. فهذا صحيح لو ظهرت لهم حاجة إلى هذا الأمر ، وقدروا عليه ، ولم يفعلوه . وكثير من الأعمال التي نمارسها اليوم لم يفعلها السلف ، لأنها لم تكن في زمنهم . والفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال كما قرر ذلك المحققون . وكل ما يمكن وضعه هنا من قيد هو ألا يكون التبرع بالجسم كله ، أو بأكثر أو بما دون ذلك ، مما يتنافى مع ما هو مقرر للميت من أحكام ، من وجوب تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ، ودفنه في مقابرالمسلمين ……الخ ، والتبرع ببعض الأعضاء لا يتنافى مع شئ من ذلك اليقين .

ولذلك نحن نوصى المسلمين بأن يتبرعوا بالأعضاء حال حدوث الوفاة ( في الحوادث ) وان يوصوا بذلك في حياتهم ، لينتفع بها الناس . وهذه صدقة عظيمة للمتبرع أجرها وثوابها ، وليست صدقة جارية بمعنى أنها دائمة ولكنها صدقة عظيمة .

( هل يجوز للأولياء والورثة التبرع بجزء من ميتهم؟ )

وإذا جاز تبرع الميت ببعض أعضائه عن طريق الوصية ، فهل يجوز لورثته وأوليائه أن يتبرعوا عنه بمثل ذلك ؟

وقد يقال : إن الجسم الميت ملك صاحبه ، وليس ملك أوليائه وورثته ، حتى يكون لهم حق التصرف فيه أو التبرع  ببعضه. ولكن الميت بعد موته لم يعد أهلا للملك ، فكما أن ماله انتقل ملكه إلى ورثته كذلك يمكن القول بأن جسم الميت قد أصبح من حق الأولياء أو الورثة ، ولعل منع الشرع من كسر عظم الميت أو انتهاك حرمة جثته ، إنما هو رعاية لحق الحي أكثر مما هو رعاية لحق الميت. وقد جعل الشارع للأولياء الحق في القصاص أو العفو في حالة القتل العمد ، كما قال تعالى : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ) الإسراء : 33 .

وكما أن لهم حق القصاص عنه إن شاءوا ، أو المصالحة على الدية أو ما هو أقل أو أكثر منها ، أو العفو المطلق لوجه الله تعالى ، عفوا كليا أو جزئيا ، كما قال تعالى :

( فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ) البقرة  178 ، لا يبعد أن يكون لهم حق التصرف في شئ من بدنه ، بما ينفع الغير ولا يضر الميت ، بل قد يستفيد منه ثوابا ، بقدر ما أفاد الآخرون من المرضى المتضررين وإن لم يكن له فيه نية، كما يثاب في حياته على ما أكل من زرعه من إنسان أو طير أو بهيمة ، وما أصاب من نصب أو وصب أو حزن أو أذى  حتى الشوكة يشاكها ….. وكما ينتفع بعد موته بدعاء والده خاصة ودعاء المسلمين عامة ، وبصدقتهم عنه …….وقد ذكرنا أن الصدقة ببعض البدن أعظم أجرا من الصدقة بالمال . ومن هنا أرى أنه لا مانع من تبرع الورثة ببعض أعضاء الميت ، مما يحتاج إليه بعض المرضى لعلاجهم كالكلية والقلب ونحوهما، بنية الصدقة بذلك عن الميت وهي صدقة يستمر ثوابها ما دام المريض المتبرع له منتفعا بها .

وقد سألني بعض الإخوة في قطر عن التبرع ببعض أعضاء أطفالهم الذين يولدون ببعض العاهات التي لا يعيشون بها ، وإنما هي أيام يقضونها في المستشفى ، ثم يودعون الحياة ، وقد يحتاج أطفال آخرون إلى بعض الأعضاء السليمة لديهم كالكلية ليعيشوا. وقد أجبتهم بجواز ذلك ، بل باستحبابه ، وأنهم مأجورون عليه إن شاء الله .

وكان ذلك سببا في إنقاذ حياة عدة أطفال في عدة أيام ، بسبب رغبة الآباء في فعل الخير والمثوبة من الله ، عسى أن يعوضهم عما أصابهم في أطفالهم . وإنما يمنع الورثة من التبرع إذا أوصى الميت في حياته بمنع ذلك، فهذا من حقه ، ويجب انفاذ وصيته فيما لا معصية فيه.

( إعطاء الحق للدولة مدى جوازه )

وإذا أجزنا للورثة والأولياء أن يتبرعوا ببعض أعضاء الميت لنفع الحي وعلاجه ، فهل نجيز للدولة أن تصدر قانونا يرخص في أخذ بعض أعضاء الموتى في الحوادث الذين لا تعرف هويتهم ، أو لا يعرف لهم ورثة  وأولياء ، لتستخدمها في إنقاذ غيرهم من المرضي والمصابين ؟ لا يبعد أن يجوز ذلك في حدود الضرورة، أو الحاجة التي تترك منزلة الضرورة ، على أن يستوثق من عدم وجود أولياء للميت ، فإذا كان له أولياء وجب إستئذانهم ، وألا يوجد ما يدل على أن الميت قد أوصى بمنع ذلك ورفضه .

( زرع عضو من كافر لمسلم )

أما زرع عضو من غير مسلم في جسم إنسان مسلم فلا مانع منه ، وأعضاء الإنسان لا توصف بإسلام ولا كفر ، وإنما هي آلات للإنسان ، يستخدمها وفقا لعقيدته ومنهاجه في الحياة ، فإذا انتقل عضو الكافر إلى مسلم ، فقد أصبح جزء من كيانه، وأداة له في القيام برسالته، كما أمر الله تعالى، فهذا كما لو أخذ المسلم سلاح الكافر وقاتل به في سبيل الله. بل قد نقول : إن الأعضاء في بدن الكافر مسلمة مسبحة ساجدة لله تعالى ، وفق المفهوم القرآني ، إن كل ما في السماوات والأرض ساجد مسبح لله تعالى ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم . فالصواب إذن أن كفر الشخص أو إسلامه لا يؤثر في أعضاء بدنه ، حتى القلب نفسه ، الذي ورد وصفه في القرآن بالسلامة والمرض ، والإيمان والريب : والموت والحياة ، فالمقصود بهذا ليس هو العضو المحس الذي يدخل في اختصاص الأطباء والمحللين ، فإن هذا لا يختلف باختلاف الإيمان والكفر والطاعة والمعصية ، إنما المقصود به ( المعنى ) الروحي ، الذي به يشعر الإنسان ويعقل ويفقه ، كما قال تعالى : ( فتكون لهم قلوب يعقلون بها ) الحج 46 ، ( لهم قلوب لا يفقهون بها ) الأعراف : 179 .

وقوله تعالى : ( إنما المشركون نجس ) التوبة : 28 لا يراد به النجاسة الحسية التي تتصل بالأبدان ، بل النجاسة المعنوية التي تتصل بالقلوب والعقول. ولهذا لا يوجد حرج شرعي من انتفاع المسلم بعضو من جسد غير المسلم .

( زرع عضو من حيوان نجس في جسم المسلم )

وأما زرع عضو من حيوان محكوم بنجاسته كالخنزير مثلا ، في جسم إنسان مسلم ، فالأصل ألا يلجأ إلى ذلك إلا عند الضرورة، وللضرورة أحكامها ، على أن يراعي بان ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها وأن يقرر نفع ذلك الثقات من أطباء المسلمين. ويمكن أن يقال هنا : إن الذي حرم من الخنزير إنما هو أكل لحمه ، كما ذكر القرآن الكريم في أربع آيات ، وزرع جزء منه في الجسم ليس أكلا له ، إنما هو انتفاع به ، وقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم الانتفاع ببعض الميتة  – وهو جلدها  – والميتة مقرونة في التحريم بلحم الخنزير في القرآن ، فإذا شرع الانتفاع بها في غير الأكل ، اتجه القول إلى شرعية

الانتفاع بالخنزير في غير الأكل أيضا. فقد ورد في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مر على شاة ميتة فسأل عنها فقالوا : إنها شاة لمولاة لميمونة ، فقال : ( هل أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ؟ قالوا :إنها ميتة ، قال : (إنما حرم أكلها ). بقي أن يقال : إن الخنزير نجس ، فكيف يجوز إدخال جزء نجس في جسد مسلم ؟

ونقول : إن الممنوع شرعا هو حمل النجاسة في الظاهر ، أي خارج البدن ، أما في داخله   فلا دليل على منعه ، إذا الداخل محل النجاسات من الدم والبول والغائط ، وسائر الإفرازات ، والإنسان يصلي، ويقرأ القرآن ويطوف بالبيت الحرام ، وهي في جوفه ، ولا تضره شيئا ، إذ لا تعلق لأحكام النجاسة بما في داخل الجسم .

( زرع الخصية لا يجوز )

بقي ما أثير أخيرا حول موضوع زرع خصية شخص لشخص آخر . هل يجوز ذلك قياسا علي بقية الأعضاء أو لهذا العضو خصوصية تمنع جواز نقله من إنسان إلى آخر…؟

والذي أراه نقل الخصية لا يجوز ، فالعلماء المختصون يقررون أن الخصية هي المخزن الذي ينقل الخصائص الوراثية للرجل ولأسرته وفصيلته إلى ذريته ، وزرع الخصية في جسم إنسان ما يعني أن ذريته – حين – ينجب تحمل صفات الإنسان الذي أخذت منه الخصية ، من البياض والسواد ، والطول أو القصر ، والذكاء أو الغباء ، وغير ذلك من الأوصاف الجسمية والعقلية والنفسية . وهذا يعتبر لونا من إختلاط الأنساب الذي منعته الشريعة بكل الوسائل ، فحرمت الزنا والتبني ، وادعاء الإنسان إلى غير أبيه ، ونحو ذلك ، مما يؤدي إلى أن يدخل في الأسرة أو القوم ما ليس منهم ، فليس مسلما إذن ما يقال إن الخصية إذا نقلت إلى شخص أصبحت جزء من بدنه وتأخذ حكمه في كل شئ . ومثل هذا يقال : لو صح نقل مخ إنسان إلى آخر ، فمثل هذا لا يجوز لو أمكن ، لما يترتب عليه من خلط وفساد كبير . وبالله التوفيق .