ولذا فإن دخول الروح إلى الجسد أو خروجها منه لا نستطيع أن نعرفه إلا بعلامات تدل عليه . وقد أخبرنا المصطفى صلى الله عليه وسلم عن دخول الروح إلى جسد الجنين في الحديث الذي رواه الشيخان ( البخاري ومسلم ) عن طريق عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حيث قال : ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما . ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم ينفخ فيه الروح ) وقد فهم جمهور الفقهاء والمحدثين أن ذلك يكون عند تمام المئة والعشرين يوما منذ التلقيح . وأما خروج الروح فلم يكن سوى الحديثين السابقين عن شخوص البصر عند قبض الروح أو ما يرونه من علامات .وهذه العلامات قد تتعرض لخطأ نتيجة عدم المعرفة ..ولذا أوكلت الأمم جميعها تشخيص الموت إلى فئة مختصة تعرف علاماته وهي فئة الأطباء . قال تعالى ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ) النحل 43.ومع التقدم العلمي ومعرفة الدورة الدموية تبين أن الموت هو توقف لا رجعة فيه في هذه الدورة الدموية …وبما أن الدماغ لا يستطيع أن يبقى حيا سوى بضع دقائق ( أربع دقائق تقريبا ) عند انقطاع التروية الدموية ، فإن الدماغ هو أول الأعضاء تأثرا وموتا نتيجة توقف القلب عن النبض ، وتوقف الدم عن الجولان والجريان في الأوعية الدموية .ولكي نزيد هذا مفهوم وضوحا فإن القلب يوقف في العمليات الجراحية التي تجرى للقلب (عمليات القلب المفتوح ) ولا يعني ذلك أن هذا الشخص قد مات ، رغم أن قلبه يوقف أثناء العملية الجراحية لمدة ساعتين أو أكثر والسبب هو أن ووظيفة القلب تقوم بها مضخة تضخ الدم من الوريد الأجوف السفلي والعلوي بعد أن يمر في جهاز يقوم بوظيفة الرئة ثم يعاد إلى الشريان الأورطي الذي بدوره يوزع الدم على بقية أعضاء الجسم . وفي هذه الحالات رغم أن القلب متوقف والتنفس متوقف إلا أن الشخص حي بكل تأكيد.وذلك لان الدورة الدموية لم تتوقف ولو لعدة ثوان . والدماغ يتلقى التروية الدموية دون انقطاع …ووظيفة الرئتين تقوم بها آلة أخرى تأخذ ثاني أكسيد الكربون من الدم وتعطيه الأوكسجين وهذا المثال يوضح أن القلب رغم أهميته البالغة للإنسان إلا أنه يمكن الاستغناء عنه لمدة ساعتين أو ثلاث بواسطة آلة تقوم مقامه …وكذلك الرئتين .ويمكن كذلك استبدال هذا القلب التالف بقلب شخص آخر ( توفي دماغيا ) أو حتى بقلب حيوان آخر .. ولولا عمليات لارفض للجسم الغريب لامكن استخدام القلوب من الحيوانات لزرعها في الإنسان ، ولكن عمليات الرفض الشديدة تجعل هذه العملية محفوفة بالمخاطر ..وهناك تجارب متعددة على قلوب الحيوانات ( وبالذات الخنزير ) ومحاولة تغيير جهازها المناعي بتطعيمها جينات إنسانية..وسيتضح مدى نجاح أو فشل هذه التجارب في خلال السنوات القليلة القادمة .

إذا ينبغي أن ندرك أنه حتى في الحالات التي يعلن فيها أن الموت بسبب توقف القلب والدورة الدموية والتنفس إلا أن السبب الأول في الوفاة هو انقطاع التروية الدموية عن الدماغ . لذا إذا أمكن مواصلة التروية الدموية للدماغ حتى مع توقف القلب فان هذا الشخص يعتبر حيا، ولكن العكس غير صحيح ، أي إذا تهشم الدماغ وبالذات جذع الدماغ الذي فيه المراكز الحيوية ( اليقظة ، التنفس ، التحكم في الدورة الدموية ) ومات موتا لا رجعة فيها فإن الإنسان يعتبر رغم أن قلبه لا يزال ينبض بمساعدة العقاقير وبعض الأجهزة وتنفسه لا يزال مستمرا بواسطة المنفسة ( الآلة ) . وهذا هو بالضبط ما نعبر عنه بموت الدماغ .

TOP